الشيخ محمد هادي معرفة
175
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
* ونظيرتها « فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى » . « 1 » والطامّة : اسم للداهية الكبرى لايُستطاع دفعُها ، وهكذا كانت وقعة القيامة تفاجىء بأهوالها ومكابدها ، ممّا تذهل وتذيب القلوب ، واللفظة دلّت عليه برنّتها . . . قال سيد قطب : ومن الأوصاف التي اشتقّها القرآن ليوم القيامة : « الصاخّة » و « الطامّة » والصاخّة لفظة تكاد تخرق صماخ الاذن في ثقلها وعنف جرسها ، وشقّه للهواء شقّا ، حتى يصل إلى الاذن صاخّا ملحّا . والطامّة لفظة ذات دويّ وطنين ، تخيّل إليك أنّها تطمّ وتعمّ ، كالطوفان يغمر كلّ شيء ويطويه . « 2 » « كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا » ويتلو الآية : « وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا . وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى » « 3 » . . . وكأنّه عرض عسكري - الذي تشترك فيه جهنّم - بموسيقاه العسكرية المنتظمة الدقّات ، المنبعثة من البناء اللفظي الشديد الأسر « 4 » وكأنّها قرعات قمعات . « وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً » . « 5 » ما أهول هذه الكلمة في هذا الموضع ، وما أوقع جرسها المدوّي المخوف ، المتناسب مع أهوال يوم القيامة ، المتطاير شرّها كالبركان الثائر المتقاذف شرارته ، لا يسلم منها قريب ولا بعيد . * وزاده رعبا وهولًا تكراره بوجه آخر كان أخوف : « إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً » . « 6 » كأنّه الضيغم الضاري عبس في وجه فريسته عبوسا شديدا ، ولعلّه من طول جوعه وضمور بطنه ، فكان أشدّ رعبا - وهو سبع جائع يقصدك لاعن هوادة - من بركان ، لاقصد له ولاعزم . والتخلّص منه ممكن ، لأنّه لايتبعك . * وتقرأ : « وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ » « 7 » فترتسم صورة التبطئة في جرس العبارة كلّها ، وفي جرس « لَيُبَطِّئَنَّ » خاصّة . وإن اللسان ليكاد يتعثّر ، وهو يتخبّط فيها حتى يصل ببطء
--> ( 1 ) - النازعات 34 : 79 . ( 2 ) - التصوير الفنّي ، ص 73 . ( 3 ) - الفجر 21 : 89 - 23 . ( 4 ) - الأسر : القبض على شيء . التصوير الفنّي ، ص 76 . ( 5 ) - الإنسان 7 : 76 . ( 6 ) - الإنسان 10 : 76 . ( 7 ) - النساء 72 : 4 .